أيام مع جعفر نميري أسرار ومواقف) (الحلقة الثانية)
لهذه الأسباب أعجب النميري بما كتبته عن الزبير باشا في كتابي حوار من أجل الثورةالأحزاب السودانية هاجمت مصر واتهمتها بالوقوف خلف حملة نميري ضد الديمقراطية الثالثة
أحمد سليمان المحامي قاد تنسيق بين الإسلاميين والمايويين طرفه الترابي والرشيد الطاهر
هل جاء محجوب عروة لنميري للتنسيق مع الإسلاميين أم لاختراق انقلاب المايويين
أخذت الرسالة التي كتبها الأخ الياس الأمين للرئيس نميري وسافرت القاهرة، ونزلت بفندق أمية في شارع 26يوليو بوسط البلد ثم اتصلت بالأخ الواثق عبد الله صالح ابن خال الرئيس نميري وسكرتيره الخاص فجاءني في الفندق وأخذ رسالة الياس الأمين للرئيس نميري ومعها الكتاب وذهب. وفي اليوم التالي اتصل بي الواثق وأخبرني أن الرئيس في انتظاري نهار الغد.
ذهبت إلي اللقاء في الوقت المحدد إلي قصر النصر الواقع في تقاطع شارع الثورة مع شارع العروبة بمصر الجديدة وهو المكان الذي خصصته الحكومة المصرية لسكن الرئيس الراحل جعفر نميري، فاستقبلني الحرس بقدر يسير من الإجراءات ثم أخذوني للطابق الأعلي حيث يوجد مكتب النميري وصالون استقبال ضيوفه. صعدت عتبات السلم فوجدت المكان خالياً .. ولم تمض سوي لحظات محدودة حتي أتي الرجل بهمة ونشاط وحيوية ظاهرة واستقبلني استقبالاً خاراً، ثم بدأ يتحدث عن الكتاب دون مقدمات.
كان إعجاب نميري بالكتاب شديداً وكان إعجابه الأكبر بالباب الذي خصصته للحديث عن الزبير ود رحمة. ولقد حاولت في ذلك الباب إنصاف الرجل باعتباره رائداً من رواد الثورة السودانية الأوائل، وأن إسهامه كان كبيراً في تطوير العسكرية في السودان، وكان سابقاً للإمام المهدي في محاولة تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان. وهو رائد كذلك في مسألة الوحدة، ومع ذلك ظلمه التاريخ والمؤرخون وصوروه نخاساً وتاجر رقيق، علي الرغم من أنه لم يكن كذلك أبداً. فكان إعجاب نميري بكلامي عن الزبير أكبر من إعجابه بما كتبت عن مايو. ويبدو أنه قد وجد شبهاً بينه وبين الرجل. وأذكر أنه استشارني في وقت لاحق عن إنتاج فيلم عن الزبير باشا، وهو يعتقد أن الرجل مثله تماماً. قدم لوطنه كثيراً إلا أن بعض أهله ظلموه. وكلاهما قادته الأحداث إلي الإقامة في مصر لاجئاً.
تحدثنا بعد ذلك عن الكتاب، وقلت له أني كتبت هذا الكتاب (حوار من أجل الثورة) لأجل تصعيد المواجهة مع الثورة المضادة لتطور السودان واستقراره. ثم تحدثنا عن طباعته، فاتصل بصديقه الناشر المصري المعروف المرحوم الأستاذ أحمد يحيي صاحب المكتب المصري الحديث الذي نشر كتابي نميري النهج الإسلامي لماذا، والنهج الإسلامي كيف. واتفق معه علي طباعة الكتاب.
عدت بعد ذلك إلي السوداني وفي ذهني بحث كيفية تصعيد المواجهة الإعلامية. وقررت أن أخرج من دائرة جريدة الغد التي كان انتشارها محدوداً لحد ما وهي جريدة أسبوعية، وأن أكتب باسمي وليس باسم مستعار كما كنت أفعل في مقالات (الغد) فاخترت صحيفة الوطن. ورغم يقيني علي مخالفة موقف ناشرها ورئيس تحريرها الأستاذ سيد أحمد خليفة للذي أود كتابته لكنني كنت موقناً أن مهنية أبو السيد سوف تتيح لي مساحة لن أجدها عند غيره، وهو رجل يحب المعارك. فكتبت له مقالاً بعنوان (كشف حساب مايو وأبريل) وكان ذلك بمناسبة الذكري العشرين لثورة مايو. وعددت في المقال بعض إنجازات مايو في مقابل إخفاقات أبريل. ولم يخيب أبو السيد ظني فنشر المقال كما هو دون حذف أو تبديل وفي صفحة كاملة، وبطريقة مثيرة، وجعل للمقال مقدمة مشوقة. وجاء في مقدمة الأستاذ سيد أحمد خليفة (الأستاذ جمال عنقرة صحفي مايوي أباً وأماً في اعتقادنا، ليس لكونه من جيل صحافة مايو فحسب، ولكن لأنه ما زال يدافع عن التجربة الشمولية في مقالته هذه وفي حواراته وونسته معنا، ومع غيرنا من أصدقائه ومعارفه...... عقب الإنتفاضة التقيت الأستاذ جمال عنقرة وكان حديثه يوحي بانتمائه للجبهة الإسلامية القومية، حيث اعتبرنا ذلك أمراً طبيعياً، إذ أن معظم الفارين من مخاوف التأييد لمايو احتموا بعد الإنتفاضة بالجبهة الإسلامية ورفعوا معها شعار لا ولاء ولا تبديل، حيث أن القصد هو البحث عن أمان وعدت الجبهة بتوفيره للمحتمين بها من الخائفين من الحساب والعقاب. ..... الآن ومن خلال هذا المقال الذي يمارس فيه الأستاذ جمال عنقرة حقه المشروع في التعبير عن وجهة نظره، يعود الرجل مايوياً خالصاً بعد أن امتطي جواد الجبهة الإسلامية لفترة. وعملاً بحرية النشر نعطيه الفرصة والمنبر ليقول ما عنده، ولكن نذكره بأن هذا الحق الذي ناله الآن ــ وهو حق دستوري ــ ما كانت مايو تعطيه للناس. وهذه كانت أكبر أخطائها الكبيرة والخطيرة، والتي جرت بعدها العديد من المآسي والكوارث حيث ما زال شعبنا يدفع ثمن أخطاء مايو ومصائبها، ومع ذلك فالحرية لنا ولسوانا في ظل الديمقراطية)
نشر المقال في صحيفة الوطن التي صدرت في السابع والعشرين من مايو 1989م، وأثار ضجة كبيرة وسعد به المايويون سعادة بالغة. ولم تكد تهدأ نار المقال حتي تسرب إلي الدوائر السياسية خطاب من النميري بمناسبة مرور عشرين عاماً علي ثورة مايو. وكان الخطاب وعداً للشعب بالعودة، ووعيداً للحزبية والطائفية في السودان بالثبور. فعلت همة المايويين بالسودان وجن جنون ساسة الأحزاب وقادتها، وبدأت التصريحات والصيحات تتعالي هنا وهناك تقلل من قيمة حديث الرجل وتهاجمه وتهاجم أعوانه وكذلك الذين يروجون لتحركاته وأقواله. وقدموا اتهاماً واضحاً للحكومة المصرية واتهموها بأنها تقف وراء حملة مايو ضدها. فأخذت نسخة من الكاسيت الذي يحمل الخطاب بصوت النميري وذهبت به للأستاذ سيد أحمد خليفة الذي وعدني بالاستماع إليه فإذا وجد فيه شيئاً يستحق نشره. وبعد يومين وجدت في مانشيت الوطن استخفافً بالخطاب وبالرجل. وجاء في تفاصيل الخبر علي لسان الأستاذ سيد أحمد خليفة أن المخلوع جعفر نميري أرسل خطاباً وجاءته نسخة منه من أحد أعوانه، ولكنه وجده مجموعة تخاريف وخطرفات لا تستحق النشر.
لم يستفزني حديث سيد أحمد خليفة، وكنت قد تهيأت لذلك. فذهبت إليه في مكاتب جريدة الوطن ولم أذكر له شيئاً عن الخطاب ولا عن الذي كتب بشأنه. وكان في ذلك اليوم قد نشرت جريدة (الراية) القطرية حواراً مع نميري نقلته عنها جريدة الأسبوع السودانية وعلقت عليه في كلمتها اليومية تحت عنوان (أحلام الطغاة) وشبهت نميري بشاه إيران. فلقد لسيد أحمد أعتقد أنه من العيب أن تنقل الصحافة السودانية أحاديث جعفر نميري رئيس السودان السابق من الصحف العربية والأجنبية، وهي عاجزة عن الوصول إليه والذي بينها وبينه ــ مهما كان الخلاف والإختلاف ـــ أكبر وأعمق مما بين الرجل وبين الصحافة العربية الأخري. واقترحت عليه أن يسجل سبقاً صحفياً سودانياً بالوصول إلي نميري وإجراء حوار صحفي معه في القاهرة. ووعدته أن أرتب له ذلك إذا وافق. فلم يتردد سيد أحمد بل أبدى حماساً شديداً. فأجرينا مع الأخ الياس الأمين بالرئيس نميري في القاهرة فرحب بالحوار، فجئت إلي سيد أحمد وأخبرته بذلك ثم غادرت في نفس اليوم للقاهرة لترتيب استقباله والحوار.
وصلت القاهرة ونزلت بفندق (نيو اوتيل) في شارع عدلي بوسط القاهرة جوار معبد اليهود، واتصلت بالأخ الواثق فأخبرني أن الأستاذ محجوب عروة رئيس تحرير صحيفة السوداني موجود في القاهرة واتصل بهم يطلب مقابلة الرئيس نميري وهو ينزل في فندق شبرد. فذهبت إلي محجوب في الفندق فاستقبلني استقبالاً حاراً. والصلات بيني وبين محجوب عديدة وعميقة. فسأني إن كنت قد قرأت خطاب نميري في الذكري العشرين لمايو فأخرجت له نسخة منه وأخبرته أنني عرفت اتصاله بالواثق، وأخبرته كذلك بصلتي بنميري. فقال لي أنه آت من لندن، وكان قد وجد خطاب نميري هناك، ويري أن أسهم نميري ارتفعت وصار الأقرب للعودة لحكم السودان. فوعدت محجوب أن أرتب له لقاء مع النميري. فذهبت إلي مكتب الواثق في شارع علي عبد اللطيف بحي عابدين ووجدت معه الأخ عبد المطلب بابكر (طلب) وطلب كان من الإسلاميين وشارك في أحداث الجزيرة أبا وودنوباوى مع الشهيد محمد صالح عمر والمرحوم الشيخ محمد محمد الصادق الكاروري والاستاذ مهدي إبراهيم، وألقي القبض عليه وحكم عليه بالإعدام ثم خفف إلي المؤبد لصغر سنه، ثم أطلق سراحه بعد المصالحة الوطنية في عام 1977م فضعفت صلته بعد ذلك بالأخوان وقويت مع المايويين وكان في تلك الفترة من القريبين من النميري في القاهرة. فأخبرتهما بما سمعت من الأخ محجوب عروة وقلت لهما أن رأيه إيجابياً في نميري وحركته، ولذلك أري أن نحدد له لقاء مع الرئيس.
جاء محجوب عروة مساء إلي نميري في قصر النصر وكان يحمل معه لفافة لم نكن نعلم ما بها وكان يحرص عليها بشدة، وعلمنا في الأخير أنها تحوي قارورة عطر ماركة (Boss) أهداه إلي نميري وقال له لحظة الإهداء (Boss for Boss)
استصحب نميري في فكره وخياله وهو يحادث محجوب عروة انتماء الأخير لحركة الأخوان المسلمين ومشاركتهم في نظام الأحزاب وتباطئهم في تطبيق الشريعة الإسلامية أثناء مشاركتهم في الحكومة القومية مع حزب الأمة بقيادة السيد الصادق المهدي، فشن هجوماً عنيفاً علي الأخوان. ولم يكن محجوب عروة أقل حدة من جعفر نميري، بل كان نداً قوياً له في الحوار للدرجة التي جعلت نميري يعجب منه ويشيد به. ونميري عادة يعجب بالأقوياء حتي لو كانت قوتهم في مواجهته. فانتهي اللقاء ودوداً علي عكس ما بدأ، وتناولنا العشاء معاً علي مائدة النميري، ودعا نميري عروة للعشاء معه اليوم التالي. واتفق الاثنان علي إجراء حوار صحفي علي هامش العشاء.
ذهبت إلي محجوب عروة في فندق شبرد واتفقنا علي محاور اللقاء الصحفي، ثم حدثني محجوب عن نيته في تطوير وتنشيط الحوار بين الإسلاميين وجعفر نميري لصالح تغيير ثوري في البلاد. وكان هناك تنسيق قديم قد نشأ بين الجبهة الإسلامية والمايويين قاده المرحوم الأستاذ أحمد سليمان المحامي وكان طرفاه الدكتور حسن الترابي الأمين العام للجبهة الإسلامية القومية، ومولانا الرشيد الطاهر بكر رئيس تحالف قوي الشعب العاملة. وتوقف التنسيق بعد وفاة مولانا الرشيد الطاهر. فجئنا مساء لنميري وأجرينا الحوار الصحفي الذي نشر في صحيفة السوداني، وأعاد نميري في الحوار تهديده للأحزاب وبشر الشعب بعودته القريبة. وجاء في الكلمة الأخيرة التي وجهها النميري للشعب السوداني عبر صحيفة (السوداني) ((أريدك أن تعلم ويعلم كل الناس أنني عندما أتحدث عن فترة مايو لا أتحدث عن أمجاد شخصية، لكنني أتحدث عن قصة ثورة شعب بأكمله، ضحي من أجلها ولن يتركها توأد.. وعندما أدافع عن جعفر نميري لا أدافع عن جعفر نميري الشخص، لأن جعفر نميري الشخص قد احتسب أمره لله، وما أصابني من ساقط القول احتسبته لله تعالي زكاة للبدن وتكفيراً للذنوب. كما أريدك أن تعلم أيضاً وتنقل عني كل أهل السودان وللناس جميعاً أنني عندما أبشر بالعودة إلي حكم السودان لا أبشر بذلك لتحقيق حلم في نفسي، أو لإشباع رغبة في الحكم، ولكنني عائد لحكم السودان لاستكمال مسيرة الثورة التي أراد زعماء الطائفية والحزبية لها أن تضيع . وأكررها وأقولها صراحة، وبأعلي صوت لكل الذين ينتظرون عالم الصحوة والنور، أني عائد .... عائد ... عائد.
جلس ثلاثتنا بعد ذلك، نميري وعروة وشخصي لبحث سبل التنسيق بين مايو والجبهة الإسلامية للعمل الثوري، فسأل محجوب نميري عن ممثل المايويين في السودان للترتيب معه، فأخبره نميري أن المسئول عن العمل في السودان هو الأستاذ عوض الجيد محمد أحمد. فودعنا عروة وعاد إلي السودان لبداية الحملة الإعلامية ضد حكومة الديمقراطية الثالثة التي كان يقودها السيد الصادق المهدي ولقيادة التنسيق بيم المايويين والجبهة الإسلامية.
وأذكر عندما نشرت هذا الكلام في وقت سابق في مناسبة مماثلة اجتررت فيها بعض ذكرياتي مع الرئيس الرحل جعفر نميري، أثبت الأستاذ محجوب عروة ما ذكرت وشهد بما قلت، وكتب في صحيفة (الرأي العام) مقالاً بعنوان (نعم فعلتها أخي عنقرة وكنت من الظالمين) وأكد في المقال صحة ما ذكرت وقال أنه فعلاً شارك في تنسيق العملية الإنقلابية التي كان مفروض أن يقوم بها الإسلاميون مع المايويين، إلا أن ذلك كان علي أيام التزامه بالحركة الإسلامية قبل أن يطلقها، وقال أن ذلك كان من الظلم والخطأ الذي رجع عنه. ولكن عندما نشرت بعضاً من ذلك في مناسبة مشابهة لاحقة، أثبته أـيضاً ولكنه قال أنه عندما علم بتحرك للمايويين ذهب إلي الدكتور الترابي وأخبره به، فطلب منه الترابي أن يستمر معهم وينقل له أخبارهم حتي يتغدون بهم قبل أن يتعشوا بهم. ولقد ذكرت هذين الموقفين لأمانة النقل والتوثيق، ولأن الحقيقة هنا قد تاهت، فلم أعد أعرف إن كان الأستاذ عروة منسقاً بين المايويين والإسلاميين، أم اخترقاً لهم لصالح الجبهة الإسلامية.
لهذه الأسباب أعجب النميري بما كتبته عن الزبير باشا في كتابي حوار من أجل الثورةالأحزاب السودانية هاجمت مصر واتهمتها بالوقوف خلف حملة نميري ضد الديمقراطية الثالثة
أحمد سليمان المحامي قاد تنسيق بين الإسلاميين والمايويين طرفه الترابي والرشيد الطاهر
هل جاء محجوب عروة لنميري للتنسيق مع الإسلاميين أم لاختراق انقلاب المايويين
أخذت الرسالة التي كتبها الأخ الياس الأمين للرئيس نميري وسافرت القاهرة، ونزلت بفندق أمية في شارع 26يوليو بوسط البلد ثم اتصلت بالأخ الواثق عبد الله صالح ابن خال الرئيس نميري وسكرتيره الخاص فجاءني في الفندق وأخذ رسالة الياس الأمين للرئيس نميري ومعها الكتاب وذهب. وفي اليوم التالي اتصل بي الواثق وأخبرني أن الرئيس في انتظاري نهار الغد.
ذهبت إلي اللقاء في الوقت المحدد إلي قصر النصر الواقع في تقاطع شارع الثورة مع شارع العروبة بمصر الجديدة وهو المكان الذي خصصته الحكومة المصرية لسكن الرئيس الراحل جعفر نميري، فاستقبلني الحرس بقدر يسير من الإجراءات ثم أخذوني للطابق الأعلي حيث يوجد مكتب النميري وصالون استقبال ضيوفه. صعدت عتبات السلم فوجدت المكان خالياً .. ولم تمض سوي لحظات محدودة حتي أتي الرجل بهمة ونشاط وحيوية ظاهرة واستقبلني استقبالاً خاراً، ثم بدأ يتحدث عن الكتاب دون مقدمات.
كان إعجاب نميري بالكتاب شديداً وكان إعجابه الأكبر بالباب الذي خصصته للحديث عن الزبير ود رحمة. ولقد حاولت في ذلك الباب إنصاف الرجل باعتباره رائداً من رواد الثورة السودانية الأوائل، وأن إسهامه كان كبيراً في تطوير العسكرية في السودان، وكان سابقاً للإمام المهدي في محاولة تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان. وهو رائد كذلك في مسألة الوحدة، ومع ذلك ظلمه التاريخ والمؤرخون وصوروه نخاساً وتاجر رقيق، علي الرغم من أنه لم يكن كذلك أبداً. فكان إعجاب نميري بكلامي عن الزبير أكبر من إعجابه بما كتبت عن مايو. ويبدو أنه قد وجد شبهاً بينه وبين الرجل. وأذكر أنه استشارني في وقت لاحق عن إنتاج فيلم عن الزبير باشا، وهو يعتقد أن الرجل مثله تماماً. قدم لوطنه كثيراً إلا أن بعض أهله ظلموه. وكلاهما قادته الأحداث إلي الإقامة في مصر لاجئاً.
تحدثنا بعد ذلك عن الكتاب، وقلت له أني كتبت هذا الكتاب (حوار من أجل الثورة) لأجل تصعيد المواجهة مع الثورة المضادة لتطور السودان واستقراره. ثم تحدثنا عن طباعته، فاتصل بصديقه الناشر المصري المعروف المرحوم الأستاذ أحمد يحيي صاحب المكتب المصري الحديث الذي نشر كتابي نميري النهج الإسلامي لماذا، والنهج الإسلامي كيف. واتفق معه علي طباعة الكتاب.
عدت بعد ذلك إلي السوداني وفي ذهني بحث كيفية تصعيد المواجهة الإعلامية. وقررت أن أخرج من دائرة جريدة الغد التي كان انتشارها محدوداً لحد ما وهي جريدة أسبوعية، وأن أكتب باسمي وليس باسم مستعار كما كنت أفعل في مقالات (الغد) فاخترت صحيفة الوطن. ورغم يقيني علي مخالفة موقف ناشرها ورئيس تحريرها الأستاذ سيد أحمد خليفة للذي أود كتابته لكنني كنت موقناً أن مهنية أبو السيد سوف تتيح لي مساحة لن أجدها عند غيره، وهو رجل يحب المعارك. فكتبت له مقالاً بعنوان (كشف حساب مايو وأبريل) وكان ذلك بمناسبة الذكري العشرين لثورة مايو. وعددت في المقال بعض إنجازات مايو في مقابل إخفاقات أبريل. ولم يخيب أبو السيد ظني فنشر المقال كما هو دون حذف أو تبديل وفي صفحة كاملة، وبطريقة مثيرة، وجعل للمقال مقدمة مشوقة. وجاء في مقدمة الأستاذ سيد أحمد خليفة (الأستاذ جمال عنقرة صحفي مايوي أباً وأماً في اعتقادنا، ليس لكونه من جيل صحافة مايو فحسب، ولكن لأنه ما زال يدافع عن التجربة الشمولية في مقالته هذه وفي حواراته وونسته معنا، ومع غيرنا من أصدقائه ومعارفه...... عقب الإنتفاضة التقيت الأستاذ جمال عنقرة وكان حديثه يوحي بانتمائه للجبهة الإسلامية القومية، حيث اعتبرنا ذلك أمراً طبيعياً، إذ أن معظم الفارين من مخاوف التأييد لمايو احتموا بعد الإنتفاضة بالجبهة الإسلامية ورفعوا معها شعار لا ولاء ولا تبديل، حيث أن القصد هو البحث عن أمان وعدت الجبهة بتوفيره للمحتمين بها من الخائفين من الحساب والعقاب. ..... الآن ومن خلال هذا المقال الذي يمارس فيه الأستاذ جمال عنقرة حقه المشروع في التعبير عن وجهة نظره، يعود الرجل مايوياً خالصاً بعد أن امتطي جواد الجبهة الإسلامية لفترة. وعملاً بحرية النشر نعطيه الفرصة والمنبر ليقول ما عنده، ولكن نذكره بأن هذا الحق الذي ناله الآن ــ وهو حق دستوري ــ ما كانت مايو تعطيه للناس. وهذه كانت أكبر أخطائها الكبيرة والخطيرة، والتي جرت بعدها العديد من المآسي والكوارث حيث ما زال شعبنا يدفع ثمن أخطاء مايو ومصائبها، ومع ذلك فالحرية لنا ولسوانا في ظل الديمقراطية)
نشر المقال في صحيفة الوطن التي صدرت في السابع والعشرين من مايو 1989م، وأثار ضجة كبيرة وسعد به المايويون سعادة بالغة. ولم تكد تهدأ نار المقال حتي تسرب إلي الدوائر السياسية خطاب من النميري بمناسبة مرور عشرين عاماً علي ثورة مايو. وكان الخطاب وعداً للشعب بالعودة، ووعيداً للحزبية والطائفية في السودان بالثبور. فعلت همة المايويين بالسودان وجن جنون ساسة الأحزاب وقادتها، وبدأت التصريحات والصيحات تتعالي هنا وهناك تقلل من قيمة حديث الرجل وتهاجمه وتهاجم أعوانه وكذلك الذين يروجون لتحركاته وأقواله. وقدموا اتهاماً واضحاً للحكومة المصرية واتهموها بأنها تقف وراء حملة مايو ضدها. فأخذت نسخة من الكاسيت الذي يحمل الخطاب بصوت النميري وذهبت به للأستاذ سيد أحمد خليفة الذي وعدني بالاستماع إليه فإذا وجد فيه شيئاً يستحق نشره. وبعد يومين وجدت في مانشيت الوطن استخفافً بالخطاب وبالرجل. وجاء في تفاصيل الخبر علي لسان الأستاذ سيد أحمد خليفة أن المخلوع جعفر نميري أرسل خطاباً وجاءته نسخة منه من أحد أعوانه، ولكنه وجده مجموعة تخاريف وخطرفات لا تستحق النشر.
لم يستفزني حديث سيد أحمد خليفة، وكنت قد تهيأت لذلك. فذهبت إليه في مكاتب جريدة الوطن ولم أذكر له شيئاً عن الخطاب ولا عن الذي كتب بشأنه. وكان في ذلك اليوم قد نشرت جريدة (الراية) القطرية حواراً مع نميري نقلته عنها جريدة الأسبوع السودانية وعلقت عليه في كلمتها اليومية تحت عنوان (أحلام الطغاة) وشبهت نميري بشاه إيران. فلقد لسيد أحمد أعتقد أنه من العيب أن تنقل الصحافة السودانية أحاديث جعفر نميري رئيس السودان السابق من الصحف العربية والأجنبية، وهي عاجزة عن الوصول إليه والذي بينها وبينه ــ مهما كان الخلاف والإختلاف ـــ أكبر وأعمق مما بين الرجل وبين الصحافة العربية الأخري. واقترحت عليه أن يسجل سبقاً صحفياً سودانياً بالوصول إلي نميري وإجراء حوار صحفي معه في القاهرة. ووعدته أن أرتب له ذلك إذا وافق. فلم يتردد سيد أحمد بل أبدى حماساً شديداً. فأجرينا مع الأخ الياس الأمين بالرئيس نميري في القاهرة فرحب بالحوار، فجئت إلي سيد أحمد وأخبرته بذلك ثم غادرت في نفس اليوم للقاهرة لترتيب استقباله والحوار.
وصلت القاهرة ونزلت بفندق (نيو اوتيل) في شارع عدلي بوسط القاهرة جوار معبد اليهود، واتصلت بالأخ الواثق فأخبرني أن الأستاذ محجوب عروة رئيس تحرير صحيفة السوداني موجود في القاهرة واتصل بهم يطلب مقابلة الرئيس نميري وهو ينزل في فندق شبرد. فذهبت إلي محجوب في الفندق فاستقبلني استقبالاً حاراً. والصلات بيني وبين محجوب عديدة وعميقة. فسأني إن كنت قد قرأت خطاب نميري في الذكري العشرين لمايو فأخرجت له نسخة منه وأخبرته أنني عرفت اتصاله بالواثق، وأخبرته كذلك بصلتي بنميري. فقال لي أنه آت من لندن، وكان قد وجد خطاب نميري هناك، ويري أن أسهم نميري ارتفعت وصار الأقرب للعودة لحكم السودان. فوعدت محجوب أن أرتب له لقاء مع النميري. فذهبت إلي مكتب الواثق في شارع علي عبد اللطيف بحي عابدين ووجدت معه الأخ عبد المطلب بابكر (طلب) وطلب كان من الإسلاميين وشارك في أحداث الجزيرة أبا وودنوباوى مع الشهيد محمد صالح عمر والمرحوم الشيخ محمد محمد الصادق الكاروري والاستاذ مهدي إبراهيم، وألقي القبض عليه وحكم عليه بالإعدام ثم خفف إلي المؤبد لصغر سنه، ثم أطلق سراحه بعد المصالحة الوطنية في عام 1977م فضعفت صلته بعد ذلك بالأخوان وقويت مع المايويين وكان في تلك الفترة من القريبين من النميري في القاهرة. فأخبرتهما بما سمعت من الأخ محجوب عروة وقلت لهما أن رأيه إيجابياً في نميري وحركته، ولذلك أري أن نحدد له لقاء مع الرئيس.
جاء محجوب عروة مساء إلي نميري في قصر النصر وكان يحمل معه لفافة لم نكن نعلم ما بها وكان يحرص عليها بشدة، وعلمنا في الأخير أنها تحوي قارورة عطر ماركة (Boss) أهداه إلي نميري وقال له لحظة الإهداء (Boss for Boss)
استصحب نميري في فكره وخياله وهو يحادث محجوب عروة انتماء الأخير لحركة الأخوان المسلمين ومشاركتهم في نظام الأحزاب وتباطئهم في تطبيق الشريعة الإسلامية أثناء مشاركتهم في الحكومة القومية مع حزب الأمة بقيادة السيد الصادق المهدي، فشن هجوماً عنيفاً علي الأخوان. ولم يكن محجوب عروة أقل حدة من جعفر نميري، بل كان نداً قوياً له في الحوار للدرجة التي جعلت نميري يعجب منه ويشيد به. ونميري عادة يعجب بالأقوياء حتي لو كانت قوتهم في مواجهته. فانتهي اللقاء ودوداً علي عكس ما بدأ، وتناولنا العشاء معاً علي مائدة النميري، ودعا نميري عروة للعشاء معه اليوم التالي. واتفق الاثنان علي إجراء حوار صحفي علي هامش العشاء.
ذهبت إلي محجوب عروة في فندق شبرد واتفقنا علي محاور اللقاء الصحفي، ثم حدثني محجوب عن نيته في تطوير وتنشيط الحوار بين الإسلاميين وجعفر نميري لصالح تغيير ثوري في البلاد. وكان هناك تنسيق قديم قد نشأ بين الجبهة الإسلامية والمايويين قاده المرحوم الأستاذ أحمد سليمان المحامي وكان طرفاه الدكتور حسن الترابي الأمين العام للجبهة الإسلامية القومية، ومولانا الرشيد الطاهر بكر رئيس تحالف قوي الشعب العاملة. وتوقف التنسيق بعد وفاة مولانا الرشيد الطاهر. فجئنا مساء لنميري وأجرينا الحوار الصحفي الذي نشر في صحيفة السوداني، وأعاد نميري في الحوار تهديده للأحزاب وبشر الشعب بعودته القريبة. وجاء في الكلمة الأخيرة التي وجهها النميري للشعب السوداني عبر صحيفة (السوداني) ((أريدك أن تعلم ويعلم كل الناس أنني عندما أتحدث عن فترة مايو لا أتحدث عن أمجاد شخصية، لكنني أتحدث عن قصة ثورة شعب بأكمله، ضحي من أجلها ولن يتركها توأد.. وعندما أدافع عن جعفر نميري لا أدافع عن جعفر نميري الشخص، لأن جعفر نميري الشخص قد احتسب أمره لله، وما أصابني من ساقط القول احتسبته لله تعالي زكاة للبدن وتكفيراً للذنوب. كما أريدك أن تعلم أيضاً وتنقل عني كل أهل السودان وللناس جميعاً أنني عندما أبشر بالعودة إلي حكم السودان لا أبشر بذلك لتحقيق حلم في نفسي، أو لإشباع رغبة في الحكم، ولكنني عائد لحكم السودان لاستكمال مسيرة الثورة التي أراد زعماء الطائفية والحزبية لها أن تضيع . وأكررها وأقولها صراحة، وبأعلي صوت لكل الذين ينتظرون عالم الصحوة والنور، أني عائد .... عائد ... عائد.
جلس ثلاثتنا بعد ذلك، نميري وعروة وشخصي لبحث سبل التنسيق بين مايو والجبهة الإسلامية للعمل الثوري، فسأل محجوب نميري عن ممثل المايويين في السودان للترتيب معه، فأخبره نميري أن المسئول عن العمل في السودان هو الأستاذ عوض الجيد محمد أحمد. فودعنا عروة وعاد إلي السودان لبداية الحملة الإعلامية ضد حكومة الديمقراطية الثالثة التي كان يقودها السيد الصادق المهدي ولقيادة التنسيق بيم المايويين والجبهة الإسلامية.
وأذكر عندما نشرت هذا الكلام في وقت سابق في مناسبة مماثلة اجتررت فيها بعض ذكرياتي مع الرئيس الرحل جعفر نميري، أثبت الأستاذ محجوب عروة ما ذكرت وشهد بما قلت، وكتب في صحيفة (الرأي العام) مقالاً بعنوان (نعم فعلتها أخي عنقرة وكنت من الظالمين) وأكد في المقال صحة ما ذكرت وقال أنه فعلاً شارك في تنسيق العملية الإنقلابية التي كان مفروض أن يقوم بها الإسلاميون مع المايويين، إلا أن ذلك كان علي أيام التزامه بالحركة الإسلامية قبل أن يطلقها، وقال أن ذلك كان من الظلم والخطأ الذي رجع عنه. ولكن عندما نشرت بعضاً من ذلك في مناسبة مشابهة لاحقة، أثبته أـيضاً ولكنه قال أنه عندما علم بتحرك للمايويين ذهب إلي الدكتور الترابي وأخبره به، فطلب منه الترابي أن يستمر معهم وينقل له أخبارهم حتي يتغدون بهم قبل أن يتعشوا بهم. ولقد ذكرت هذين الموقفين لأمانة النقل والتوثيق، ولأن الحقيقة هنا قد تاهت، فلم أعد أعرف إن كان الأستاذ عروة منسقاً بين المايويين والإسلاميين، أم اخترقاً لهم لصالح الجبهة الإسلامية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق