السبت، 25 سبتمبر 2010

انتظروا بياناً هاماً.......انتظار قلق وممل لبيان لايعرف أحد من هو قائله..!




جــاءت المقدمـــة الـخبريـة لتشـير إلى حدث جلل وكبير وخطيرالرائد محجـوب: ده انقـلاب شــيوعي ولن يعمـر طــويلاً..!من البيت في الصحافة إلى المطبعة الحكومية.. كل شيء هادئ

كان انتظارنا لمعرفة ما حدث أو ما يحدث بعد أن أخذت الإذاعة والتلفزيون في تلك العصرية يوم 19 يوليو 1971م ترددان انتظروا بياناً هاماً.. ثم اعقبته بالتنبيه إلى أن البيان من الرائد هاشم العطا الذي أخذت صورته تظهر على شاشة التلفزيون..!.
عندها أدركنا أن الأمر جلل وخطير وأن المقدمة تنبئ بحدوث انقلاب عسكري ضد مايو ونميري..!.
ألا هو.. واعني الرائد محمد محجوب سليمان الذي كان اكثرنا انتباهاً واهتماماً بالأمر حيث قال عندما بدأ الرائد هاشم العطا عن إعلان هوية الانقلاب.. ده انقلاب شيوعي مش هيستمر اسبوع..!
هذه العبارة النافذة كنت وحدي الذي انتبهت أو تنبهت لها فقد احتجنا جميعاً لاستخدامها في مقبل الأيام الصعبة والخطيرة القادمة..!.
واذكــــــــــركـــــــــــــــــم بهــا ثانية «ده انقـــــلاب شـــــيوعي مش هيســــــتمر اسبوع»..!
والغريب في الامر أن هذه العبارة نُقلت في ذات اليوم أو الذي يليه للرائد هاشم العطا أو جهازه الاستخباري حيث وضع محمد محجوب سليمان على الرف في اليومين القادمين أو كاد؛ حيث ظل معزولاً عن كافة الأنشطة والتحركات في الأيام التالية وحتى يوم العودة في 22 يوليو 1971م..!.

* الجريدة جاهزة
كانت البروفات والصفحات الداخلية لجريدة القوات المسلحة قد اودعت المطبعة الحكومية بالمنطقة الصناعية قبل أن نتوجه للغداء بمنزلنا بالصحافة مربع 36..!.
وهذا حتم ان نتحرك عقب بيان الرائد هاشم العطا نحو المطبعة لأراجع انا ملحقي الاعلاني داخل العدد الصادر في اليوم التالي وهو 20 يوليو وهو ملحق يتحدث عن «الانجاز والاعجاز» في القطاع المصرفي، حيث كان دوري فيه هو استجلاب الاعلانات الدعائية وكان على كتاب ومحرري الصحيفة بقية المواد التحريرية..!.
كان من رأيي ألا اذهب معهم للمطبعة.. ذلك لأنني ملكي وسط زفة عسكرية لابد أن يكون تركيزها على الإذاعة.. والتلفزيون والصحف..!.
وأنا من الواضح انني مصنف ـ ثورة مضادة «وإلا لكنت قد الحقت بعمل صحفي في المؤسسة العامة للصحافة، والتي عُين الاستاذ محجوب محمد صالح مديراً عاماً لها، والذي لابد أن اشكر له قرار تعييني في الإرشيف بعد أن رفض كل رؤساء تحرير صحف مايو المؤممة استيعابي كصحفي رغم انني أحمل شهادة القيد..!.

* كل شيء كان هادئاً
وصلنا المطبعة الحكومية مع بداية غياب الشمس، ولم نجد بها اثراً للانقلاب.. فكل شئ كان عادياً مع أن الجميع بالمطبعة كان على علم بما حدث..!.
ولقد اشرف صديقنا الراحل محمد محجوب سليمان بوصفه المسؤول التحريري عن صحيفة القوات المسلحة على تغيير الصفحات، واكتفى برصد كل ما صدر بعد الاعلان عن الانقلاب، كما أورد النص الكامل لخطاب الرائد هاشم العطاء وقدّمه بمانشيت هادئ جداً يقول: «الرائد هاشم العطا يعلن التغيير».
لم يقل محمد محجوب سليمان« الثورة أو الانقلاب»، وكان من غرائب الأمور أن تواصل صدور الصحيفة يومي21 و22 يوليو، كما أن عدد 23 يوليو كان معداً ولم يصدر لأن التغيير والعودة ـ عودة نميري ـ كانت يوم 22 يوليو..!.
كنت وبحكم العمل مع المرحوم سعد الشيخ في وكالة اعلانات الخرطوم اساعده احياناً في العمل الخبري لصالح وكالة رويترز.
انني وبهذه الصفة الصحفية تحركت صباح 22 يوليو وتوجهت إلى ساحة القصر لأغطي صحفياً الموكب العمالي والنقابي الضخم الذي دعا له اتحاد العمال لتأييد الانقلاب؛ حيث تقرر أن يخاطب ذلك الموكب الرائد هاشم العطا..!.
كان الحشد بالفعل كبيراً.. ولكن حدثت أمور صغيرة أحدثت قدراً كبيراً من التهويش إذ تجمع عدد لابأس به من معارضي انقلاب هاشم العطا ضد نميري وأخذوا يرددون شعارات مناوئة للانقلاب الجديد..!.
ومع ذلك ووسط حشود جبّارة كان الحزب الشيوعي واتحاد العمال خبير في اعدادها واخراجها جاء الرائد هاشم العطا واعتلى منصة الخطابة وسط تصفيق وهتافات وترحيب وتأييد كبير..!.

* الصعود خلف هاشم
كنت من جانبي وكمخبر صحفي جريء ومغامر قد تمكنت من الصعود لمنصة الخطابة ووقفت خلف الرائد هاشم العطا، وكان هدفي المهني هو أن اتناول الخطاب فور فراغه من إلقائه وأن اظفر بسبق صحفي كبير لصالح وكالة رويترز التي بعثت البرقية تلو البرقية والتوجيه تلو التوجيه للحصول على تغطية كاملة لوقائع وتطورات انقلاب هاشم العطا الذي كان وسط اتون الحرب الباردة وصراع القوانين حيث كان وصول الحزب الشيوعي الى السلطة في اطار تحالف قومي في 25 مايو مصدر قلق للدوائر الغربية فما بالك بانقلاب شيوعي 100%..!
ولقد نجحت خطتي وفور فراغ الرائد هاشم العطا ـ رحمه الله ـ من إلقاء خطابه ـ خطفت الخطاب ـ وغادرت المنصة، وبسرعة البرق كنت داخل مكاتب رويترز بعمارة ابو العلا القديمة بالسوق العربي..!
كان استقبال المرحوم سعد الشيخ لي وأنا اعود بنص خطاب قائد الانقلاب هاشم العطا استقبالاً كبيراً حيث نفحني بعد الثناء والتقدير مبلغ عشرة جنيهات باعتبارها مكافأة أو حافزاً..!.
وهو مبلغ كبير بمقاييس ذلك الزمان خاصة إذا عرفنا أن راتبي لشهر كامل كان بحدود الـ 25 جنيه سوداني..!.
نحو الساعة الواحدة ظهراً وعقب الموكب واحداثه اعلن عن مؤتمر صحفي للرائد هاشم العطا بالقيادة العامة، ولكن سبق ذلك المؤتمر لقاء تشاوري باتحادات العمال والموظفين بذات المقر بالقيادة العامة..!.
كنت وبنفس القدرة على المغامرة في سبيل الخبر والسبق قد استطعت أن اتسلل لاجتماع هاشم العطا مع النقابات والاتحادات حيث دار الحديث اجمالاً بين الطرفين عن كيفية دعم ومساندة النقابات للتغيير الذي تم بعد أن شرح الرائد هاشم العطا للنقابيين دواعي وأسباب الانقلاب والتي أجملها في أن نظام مايو انحرف عن خط الثورة.. وأن قوى رجعية حاولت سرقة الثورة، وهذا حتم لجمها ووضع حد لتراجعها ورجعيتها..!

* كلام مهم للشفيع
إن ثمة حقيقة اقولها للتاريخ.. وقد قلتها للأستاذة فاطمة احمد ابراهيم في آخر لقاء تم بيني وبينها بمكتبي بصحيفة «الوطن» في الشهر الماضي إبّان معركتها مع الرائد ابو القاسم محمد ابراهيم أعتى وأقوى وأشهر صقور نظام مايو في حالتي التعامل ضد الأنصار في ابا وودنوباوي ومع الشيوعيين عقب انقلاب هاشم العطا وعودة نميري بعد فشل ذلك الانقلاب الجريء الذي تمّ في وسط النهار.
قلت للأستاذة فاطمة.. إنني وفي يوم 22 يوليو وفي الموكب التقيت بالراحل الشفيع احمد الشيخ وكنت قريباً منه نفسياً بحكم خلفيتي النقابية وتقديري ومحبتي له كنجم من نجوم ذلك الزمان، وكمصدر من مصادر أخباري عندما كنت اعمل مخبراً في جريدة الصحافة، وأيضاً لكون المرحوم الشفيع كان أحد الذين ناصروا قضية سكان امتداد الصحافة الحالي.
وقلت لها إنني في ذلك اللقاء وللتاريخ سمعت من الراحل الشفيع كلمات غاية في الصدق والمسؤولية، ولو سمعها الذين حاكموا الشفيع وقتلوه لما فعلوا ذلك لو كان لديهم مثقال ذرة من العدالة والإنصاف.
قال لي الشفيع ويشهد على قوله سائق سيارته البيجو الشهير ـ عوض ـ يا سيد أحمد: «إن هؤلاء العسكريين ينفذون انقلاباتهم ثم يلجؤون إلينا بحثاً عن التأييد»..!
إن ذلك القول يكفي لكي يبرئ الشفيع من تهمة الاشتراك في الإعداد أو التخطيط لانقلاب هاشم العطا.
وللتاريخ ايضاً هو قول شبيه بعبارات سمعتها من الراحل عبدالخالق محجوب في الأسبوع الأول من عمر نظام 25 مايو 1969م، إذ قال لي الرجل وأنا التقيه في مقهى السليماني بالخرطوم 2 نهاراً جهاراً :«يا أخي الانقلاب ده حيودي البلد في داهية.. لكن نعمل ايه فبعض جماعتنا شركاء فيه.. ولو قلنا انه ليس مؤيداً من جانب حزبنا فإن ذلك يعني الاعلان عن انقسام الحزب وهو انقسام وإن كان موجوداً حول الانقلاب إلا أنه غير معلن ولا معروف».
إن جعفر نميري في إحدى خطبه وهو يعلن عن خلافاته مع الشيوعيين قبل تنفيذ انقلابه قال: «إن عبد الخالق محجوب عارض ـ الثورة ـ قبل وقوعها».. وقال النميري ـ في شهادة عظيمة لصالح عبد الخالق محجوب:« إن عبد الخالق طلب مني أن اشكل وزارة مايو الأولى برئاسة الصادق المهدي، وأن تكون حكومة قومية.. وأن يكون دور مجلس الثورة مثل دور المجلس العسكري في تركيا يراقب الأداء ويقومه ولكن لا يحكم».
وعودة لاجتمــاع النقابات بالرائد هاشم العطا بالقيادة العامة .

* همسة في أُذن القائد
ظُهر 22 يوليو 1971م كانت القاعة في أوج هرجها ومرجها.. ونقاشها مع قائد انقلاب يوليو الرائد هاشم العطا عندما دخل أحد الضباط وهمس في أذن الرائد هاشم وبعدها اختفى الرجل قائد الانقلاب هاشم العطا، وتفرق الجميع بعدها على عجل إذ احسسنا بأن ثمة أمر ما يحدث خارج القاعة.
وبعد دقائق سمعنا ونحن نحاول الخروج لنذهب من حيث اتينا صوت رصاص.. طلقات دانات.. هدير مجنزرات.. وعندها اقترب الضرب من مكان وجودنا حيث أخذ كل منا «ساتر» وانبطح على الأرض.. أو اختبأ خلف دولاب.. أو تربيزة..!.
ولكن القليل من القادة النقابيين استطاع الهرب من داخل القيادة العامة..!.
إذن ما الذي حدث.. ومن يهاجم من.. وكيف امضينا ليلة الموت والخطر تلك ونحن خلف دولايب مكاتب القيادة العامة..؟!.
نواصل،،

بقلــــــم : سيد أحمد خليفة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق