السبت، 25 سبتمبر 2010

البيان التالي ... أيام مع جعفر نميري أسرار ومواقف ....الحلقة الاولى.

الشيوعيون روجوا لمايو في أول عهدها وفشل انقلاب يوليوم 71 قرب الثورة من الشعبإعدام المقدم حسن حسين أبعدني عن مايو.. واهتزاز قناعتي بالفكر الجمهوري قادني للأخوان المسلمين
الترابي كان له دور كبير في إقناع الأخوان بالمصالحة والمشاركة في مايو والتعايش معها
للكاتب جمال عنقرة

أيام قبل الأيام
فجر الخامس والعشرين من مايو عام 1969م لم تكن شخصيتي السياسية قد نضجت بعد لكنني كنت بالأصل والتاريخ أنصارياً. وكنت جناح السيد الصادق المهدي ـ وبالطبع لم يكن هذا الانتماء مسنوداً بفكر ولا رأي ــ ولكن في الأنصارية كانت تتجسد أمجاد الأجداد، وفي السيد الصادق المهدي تطلعات الشباب وطموحاته.
ولأن ارتباطنا بالسيد الصادق المهدي وبحزب الأمة لم يكن قد نضج بعد، فعندما تحركت مجموعة مايو من خور عمر كانت فتنتنا بشباب القادة الجدد أكثر منها بفكرهم وبرنامجهم السياسي. وكان للزى العسكري في ذلك الوقت سحر عجيب علي قلوب الشيب والشباب معاً، وكنا نتطلع لدخول الكلية الحربية.بل البنات علي ذلك العهد كان الضابط عندهن أجذب من الطبيب والمهندس وغيرهما.ومع أيام مايو الأولي تفجرت لجان تطوير الريف وتفجرت فيها طاقاتنا وانفجر فيها الشباب.وجاءت رحلات الرئيس نميري لكل أقاليم السودان علي عكس رحلات الساسة والزعماء قبله.التحم بالجماهير والتحمت به.وكنا نجده أسداً علي الأرض ونمراً علي ظهر السيارة المكشوفة التي يمتطيها.وكانت لأناشيد مايو التي صاغها شعراء الحزب الشيوعي السوداني دور كبير في ربط الشباب بالنظام الجديد. يا حارسنا وفارسنا يا بيتنا ومدارسنا ... أنت يا مايو الخلاص يا جداراً من رصاص يا حبالاً للقصاص من عدو الشعب في كل مكان .... جبت المويه للعطشان وجبت اللقمة للجيعان.
فظل ارتباطنا بالرجل وبالثورة وبأدبها حتي جاءت أحداث ودنوباوي والجزيرة أبا.وبرغم أن ضرب الأنصار آذانا نحن أبناءهم وأحفادهم، إلا أن إعلام مايو آنذاك استطاع أن يصور لنا الإمام الشهيد الهادي المهدي وأصحابه المجاهدين علي أنهم مجموعة من الدجالين.ولعل الناس يذكرون تلك الصور الفاضحة التي قالوا أنهم التقطوها في الجزيرة أبا، فازددنا بعداً عن التاريخ والجذور، وازداد ارتباطنا بالثورة وبزعيمها الشاب القائد جعفر نميري.
وفي التاسع عشر من يوليو 1971م عندما استولي الشيوعيون علي السلطة ملأت الأحاديث والحكاوي أطراف المدينة وأوساطها.الكافرون حكموا البلاد، المساجد تتحول إلي مراقص ومواخير، والكنائس إلي ملاهي، والآذان سوف ينقطع صوته في السودان إلي الأبد، الرزيلة تشاع في الأسواق.فامتلأت النفوس ثورة وانفجر البركان في الثاني والعشرين من نفس الشهر لذات العام..فنزلنا في ذلك اليوم شعب وجيش ندافع عن مايو وعن قائد مايو حتي عادت الثورة وعاد الرجل، فصرنا أكثر ارتباطاً به من ذي قبل.وفي تلك الفترة كنت قد ارتبطت بحركة الأخوان الجمهوريين ــ جماعة محمود محمد طه ــ وكانت الجماعة في خط النظام، فصرت أكثر التصاقاً بمايو وأشد تعلقاً بالرجل.
وعلي أيام حركة المقدم حسن حسين في سبتمبر عام 1975م كانت قناعتي بالفكر الجمهوري قد بدأت في الاهتزاز، وكنت قد دخلت في مواجهة مع النفس والفكر. وعندما حدث صدام المقدم حسن حسين لنظام مايو وأجهضت حركته وأعدم علي إثر ذلك تحركت في نفوسنا نحن المرتبطين بغرب السودان عموماً، وبكردفان بصفة خاصة، وبصفة أخص بأبناء الهواري ـ وهو نسب تلتقي فيه والدتنا الحاجة التومة جبارة عليها الرحمة في بعض تكوينها مع الشهيد المقدم حسن حسين ــ تحركت في نفوسنا نوازع العنصر والدم. فأبعدني دم الشهيد عن مايو، وقربني اهتزاز الفكر الجمهوري إلي حركة الأخوان المسلمين.
وفي يوليو 1976م وعندما اختلط دم الأخوان المسلمين بدم الأنصار، واختلط ذلك بدم ابن خالنا المقدم حسن حسين، واختلط ذلك بأدب الأخوان المسلمين الجهادي صار عداؤنا لمايو عداء ثأر ومواجهة. ولذلك عندما حدثت المصالحة الوطنية عام 1977م لم نكن قادرين علي استيعابها بادئ الأمر ولكن سرعان ما تجاوزنا ذلك، ولقد كان لقادة الأخوان دور كبير في ذلك لاسيما الدكتور حسن الترابي، وكنت كثير التواصل معه وأنا مازلت طالباً في الجامعات المصرية.واستيقنت بعد ذلك أن جو المصالحة هو خير مناخ لنمو العمل الإسلامي.ولقد أتاحت لنا المشاركة في مايو فرصة لم نكن لنجدها لولا تلك الظروف.فجئنا لمايو بهمة وصدق من أجل السودان.ومن أجل تحكيم الشريعة الإسلامية. وانخرطنا في أجهزة النظام السياسية والشعبية والتنفيذية. وعملت في صحافة مايو أبشر مع المبشرين بفجر عهد سعيد.
وفي سبتمبر 1983م عندما أعلن الرئيس نميري الشريعة الإسلامية حاكمة للبلاد، ازددنا ارتباطاً بمايو وصرنا أكثر دفاعاً عنها وعن منهجها الجديد. ولم يكن قتالنا في مايو ضد أعداء النظام وحدهم، ولكن كان علينا أيضاً أن نقاتل أعداء التوجه داخل النظام، وكذلك أعداءنا التاريخيين في مايو.ومع ذلك كانت جسوري ممتدة مع كل المايويين بلا استثناء، فكانت قناعتي أن جسور التواصل تتحطم عندها سهام التخاصم.وهي قناعة أيضاً أن السودان وطن قام علي التعايش والمحبة رغم الخلاف والاختلاف.ولذلك كانت صلتي بالجميع في مايو، وكانت محبتي للمايويين جميعاً.
وفي أكتوبر 1984م نزلت كردفان عريساً.وكردفان هي أرض الأهل والنشأة الأولي ومراتع الطفولة.وكانت أول زيارة لـ (ام خالد) إلي ديار كردفان الغراء ام خيراً بره وجوه. وكنت أحدثها كثيراً عن خير كردفان وفضل أهلها. وكان الظن أن تلتقينا بالخير والترحاب كما تفعل دوماً. ولكن وجدنا الأمر مختلفاً جداً.جموع من النازحين من القري إلي أطراف مدينة أم روابة في غير أوان نزوحهم. ووجدنا المتسولين بلا حساب ولا عدد، وهم يسألون الطعام والشراب ولا شيء غيرهما. فكانت الفاجعة أليمة فعدت إلي العاصمة وكتبت خواطر مبعثرة في باب اليوميات بصحيفة الأيام عن رحلتي لكردفان ومشاهدها الحزينة.وكان عنوان المقال (وتوالت الأحداث عاصفة) فلم يعجب المقال حاكم كردفان آنذاك المرحوم الفريق الفاتح بشارة، فحاول إثنائي عن الحديث عن الجفاف والتصحر والمجاعة في كردفان باعتبار أنها مجرد ظواهر عارضة تزول سريعاً، فرفضت ذلك لأن قناعتي كانت أن هذه مقدمة لحالة خطيرة يمكن أن يدخل فيها الإقليم لو لم يتم تداركها عاجلاً. فلم يعجب منهجي السيد الحاكم فدخل معي في معركة لم تكن عادلة استخدم فيها كل أسلحته.ولأنه لم يكن في مقدوري مواجهة حاكم في قوة السيد الفاتح بشارة، قررت الانسحاب التكتيكي من أرض المعركة فخرجت من السودان وقصدت المملكة العربية السعودية.
بعد خروجي ازداد غضب حاكم كردفان، فشن علي هجوماً إعلامياً عنيفاً، ثم دخل في معركة مع الإسلاميين في الإقليم وكانت معركته الأشهر مع مستشار حكومته القانوني الأستاذ أحمد إبراهيم الطاهر الذي أقاله واعتقله.فلم يكن من الميسور في تلك الظروف العودة فطال بقائي في المملكة العربية السعودية وحاولت تدبير عمل، ولقد أحسن صديقنا الأستاذ سيد أحمد خليفة استقبالي رغم الخلاف السياسي وقدمني لرئيس تحرير جريدة المدينة الأستاذ أحمد محمود الذي تربطه صلات حميمة بالسودان، وأحسب أنه من مواليده. وأتاح لي سيد أحمد فرصة للعمل في قسم الملاحق والأعداد الخاصة الذي كان يترأسه. وفي هذه الأثناء دخل نميري في معركة شاملة مع الأخوان المسلمين، واعتقل زعيم التنظيم الدكتور الترابي وكثيرين معه من القيادات في العاشر من مارس 1985م، وطلب آخرين للإعتقال، وكنت من ضمن المطلوب اعتقالهم.
وفي السادس والعشرين من ذات الشهر انطلقت مظاهرات عارمة ضد مايو قادها إتحاد طلاب جامعة امدرمان الإسلامية. وبدأت المظاهرات تشتعل في كل أنحاء السودان. وعلي الرغم من مشاركة الأخوان المسلمين لم تكن فاعلة في تلك المظاهرات إلا أن الرئيس نميري وأعوانه حملوهم أوزار كل ما يجري، وصاروا يهيئون الأجواء لضربة قاضية للأخوان المسلمين في السودان. وأذكر أن أخي وصديقي وزميل الصبا قبل المهنة الأستاذ معاوية حسن يسن قال لي في جدة حيث كان يعمل في جريدة المدينة، أن نميري سوف يسقيكم من ذات الكأس التي سقي منها الشيوعيين في يوليو 71، فقلت له، Too late ، وكانت قناعتي أن حكم نميري قد انتهي وأنه لم يعد قادراً علي فعل شيء ينقذ به حكمه من السقوط. وراهنت علي أن نميري لن يعود من رحلة أمريكا حاكماً للسودان.
قناعتي كانت تختلف عن قناعة التنظيم الذي كان يري ألا تشارك قواعد الحركة في المظاهرات مشاركة فاعلة حتي لا يستغل نميري ذلك ذريعة لضرب الأخوان المسلمين. وكانت قناعتي أن نميري إذا عاد إلي السودان حاكما سوف يضرب الأخوان المسلمين سواء شاركوا في المظاهرات ضده أو لم يشاركوا، لذلك يجب المشاركة بفاعلية حتي يسقط وتسقط حكومته ونأمن شره.وكنا بالفعل قد بدأنا المواجهة عبر المعركة الصحفية.فكنت مع أخي عبدالله التجاني عثمان ننشر في الصحافة العربية أكثر الأخبار عن الثورة ضد مايو.وكان نشرنا الأكثر في جريدتي الشرق الأوسط اللندنية والسياسة الكويتية.
وجاء إلي السعودية مندوب عن التنظيم من السودان ليحدث الناس عن الأوضاع في الداخل، وأخبرنا أن منهج التنظيم في التعامل مع نميري هو منهج (اذهبا إلي فرعون أنه طغي وقولا له قولاً لينا) فلم أقتنع بهذا المنهج ورفضه أيضاً الأخوة عبد الله التجاني وبابكر حنين. وقال عبد الله لمندوب التنظيم أنكم تودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم.فخرج ثلاثتنا من الإجتماع رافضين.
وبعد يومين انتصرت الإنتفاضة وسقطت مايو وعادت الأحزاب إلي الساحة، وعاد الذين كانوا في الخارج، وعدت مع العائدين. وتمحور برنامج كل الأحزاب حول إزالة آثار مايو، وكان برنامج الإزالة يحوي بين طياته إزالة موروث مايو في التشريع والتقنين، وهذا يعني الإرتداد عن النظام الإسلامي وعودة العلمانية للحياة السياسية السودانية.
تكونت الجبهة الإسلامية للدفاع عن الشريعة الإسلامية باعتبارها كسباً للشعب وللثورة الإسلامية في السودان، وكانت تلك قناعتنا جميعاً. فتخندق في صف الجبهة كل الرافعين لراية الشريعة الإسلامية عدا منسوبي حزبي الأمة والإتحادي، فهؤلاء كانوا مع الشريعة في عمومها ولكنهم كانوا يعارضون الشريعة التي أقرها نميري لأنهم يرونها غير مشروعة، فنادوا بإلغائها وسن أخري مكانها مبرأة مما يرونه فيها من عيوب، وكنا نري الإلغاء باباً للفتنة، فرفعنا شعار لا تبديل ولا تغيير لشرع الله.
كانت حركة المطالبة بالإلغاء تسير بلا وعي، وبانفعال شديد، وكانت في أغلبها نتيجة مواقف وأحقاد شخصية، أكثر منه مبادئ وأفكار. وأذكر مرة كنت أتحاور مع الزعيم الإتحادي علي محمود حسنين وكان الحوار حول الشريعة الإسلامية. فقال الأستاذ حسنين أنه مع الشريعة الإسلامية ولكنه ضد شريعة مايو. بل ذهب أكثر من ذلك ونادي بإلغاء كل القوانين التي صدرت في مايو بما في ذلك القوانين المتفق عليها ويعاد إصدارها مرة ثانية حتي تكتسب الشرعية الدستورية، وضرب مثالاً لذلك قانون المرور. فلم يعجبني هذا المنهج المدمر وكتبت مقالاً في جريدة (الأيام) أسميته (الإلغاء الثوري) وسخرت في المقال من دعوة الإلغاء بغير وعي، ولغير سبب غير أن ما يطالب بإلغائه جاءت به حكومة مايو التي سقطت. وقلت للمطالبين بكنس آثار مايو ماذا سوف تفعلون مع المصانع والجسور والإنجازات المايوية العديدة, وماذا سوف تفعلون مع أحياء مايو في كثير من المدن، ومع مايو الشهر الذي يأتي مرة كل عام، ومايو (الذرة) التي يقتات عليه كثير من أهل السودان.ثم سألت عن مصير الشهادات والإجازات العلمية التي أصدرتها مؤسسات مايوية، وعن النياشين والأنواط التي يحملها العسكريون بمن فيهم أعضاء مجلس قيادة الثورة الحاكم، وعن عقود الزواج الي أبرمها مأذونون مايويون ووثقتها سلطات مايو، وعن الأبناء الذين نتجوا عن هذه الزيجات وعن مشروعية وجودهم.
انقضت الفترة الانتقالية وأجريت الانتخابات النيابية وتشكلت أول حكومة ائتلافية بين حزبي الأمة والإتحادي الديمقراطي التي لم تصمد طويلاً فأسقطتها خلافات الشريكين ومكايدات غيرهم، فقامت غيرها ثم سقطت، وهكذا لم يكتب الإستقرار لأية حكومة ائتلافية كانت أو ثلاثية، أو بقاعدة حزبية أكبر من ذلك.
وخلال الحكومة الحزبية الثالثة التي كانت سمتها التشاحن والبغضاء وتغليب الذات الشخصية والحزبية علي الوطن ضاعت كثيراً من قضايا الوطن ومصالح المواطنين، وازدادت حرب الجنوب اشتعالاً، وأصبحت مسألة الشريعة الإسلامية سلعة للمتاجرة السياسية. فأيقنت لحظتها أن النظام الليبرالي الغربي بشكله المنقول حرفاً لا يمكن أن يحقق استقراراً للسودان. فالأحزاب وجدت أنفسها في مواجهة الحكم وقضاياه وهي غير مؤهلة لذلك، فتشتت القوى الوطنية وتنازع الناس الولاء الطائفي والقبلي، وبدأت الصراعات بين القوي السياسية تأخذ أبعاداً أخري خطيرة لم يعهدها المجتمع السوداني.وانفتحت أبواب واسعة للتدخلات الأجنبية والعربية، وانتقل بعض الصراع العربي والأفريقي للسودان الذي صار ساحة لتصفية خصومات لا ناقة لنا فيها ولا جمل. وصار الوطن قاب قوسين أو أدني من التمزق.
ساعتها صار المخرج عندي خيار واحد لا ثاني له. نظام يجمع بعد فرقة، ويوحد بعد شتات. وكان الخيار الذي رأيته كياناً جامعاً يتداعي له كل أهل السودان من أجل السودان. إنه نظام الكيان الجامع، أو التنظيم الشامل.ودائماً كنت أقول لأصدقائي ولغيرهم أن نظام الكيان الواحد الجامع غير نظام الحزب الواحد، فالحزب تتجمع عضويته حول فكرة واحدة وهدف واحد وبرنامج واحد ورأي واحد كذلك، وهو لا يتيح فرصة للإختلاف في داخله، والاختلاف يحسم دائما لصالح الحزب.ونظام الحزب الواحد يقوم علي صفوة قليلة تحكم الغالبية بقوة الحزب وسلطانه.أما الكيان الواحد فهو بناء جامع يلتقي عنده كل أهل العصر بمختلف انتماءاتهم الفكرية والسياسية والعقائدية. وفي داخله تكون الفرصة متاحة للجميع للتعبير عن ذواتهم دون حجر أو وصاية. وفي تلك اللحظة صعدت تجربة الإتحاد الاشتراكي إلي الأذهان، وكان صعودها هذه المرة بايجابياتها لا بسلبياتها. بالنظرية لا بالتطبيق. وصعد معها اسم الرئيس جعفر نميري بتاريخه في قيادة الشعب السوداني موحداً، وليس بنهايته مخلوعاً بالشعب كله متحداًُ. ولقد انتابت هذه الحالة أكثر قطاعات الشعب السوداني. وما أدل علي ذلك إلا هتافهم عندما يخرجون ضائقين بالحكم الحزبي (عائد عائد يا نميري)
تعلقي بنميري في تلك المرة لم يكن عفوياً غير ناضج مثل سابقه أول عهد مايو في العام 1969م، ففي الرجل تجسدت صورة القائد الذي وحد شعبه، وفيه تجسدت التنمية والتعمير. وفوق ذلك كنت أري فيه الإنجاز الأكبر لحركة الإسلام في السودان من خلال تجربته في تأصيل التشريعات والقوانين في السودان.
لم تكن علاقتي بالمايويين قد فترت بعد أبريل .. فأصدقاء الأمس ظلوا هم ذاتهم أصدقاء اليوم، فقط تطور الحوار بيننا بشأن قضايا الحكم في السودان.وكنت أكثر تواصلاً بالصديقة أمال عباس وبشيخنا الراحل مولانا الرشيد الطاهر بكر، وأستاذنا المرحوم أحمد عبد الحليم وبالأصدقاء صلاح عبد العال مبروك، اللواء بابكر علي التوم واللواء بابكر عبد الرحيم والدكتور إسماعيل الحاج موسي، والريس عزالدين السيد، والأخ الياس الأمين، والأخ عثمان مجذوب بابكر، وغيرهم ممن لم تسعف الذاكرة والمساحة لذكرهم.
كانت قناعتي أن نطرح مايو بديلاً، وأن ندافع عن صيغة التحالف باعتبارها الصيغة المثلي لحكم السودان.ورأيت أن نلج الحلبة وأن نعرض وسط الزفة.وحاولت أن أشرع في ذلك عملياً، فبدأت الكتابة علي صفحات جريدة الغد لصديقي الأستاذ أسامة سيد عبد العزيز.وكانت كتاباتي نقداً لاذعاً للنظام الليبرالي الغربي، وطرحاً للنظام الوحدوي بديلاً له.وكنت أكتب باسم (أبو خالد) وخالد هو ابني الأكبر وبه أعرف وسط كثير من الأهل والأصدقاء.وكانت تكفيني في تلك المرحلة معرفة هؤلاء إلي حين يجئ وقت المواجهة الشاملة.
وفي ذات الوقت كنت أجمع في مادة كتاب عن تاريخ الثورة السودانية بعنوان (حوار من أجل الثورة)حاولت من خلاله أن أجد تعريفاً نرتضيه لمعني الثورة.ثم نسطر تاريخها ونصنف أحداثها إلي ثورة وثورة مضادة.وبعد أن فرغت من إعداد الكتاب واجهتني مشكلة الطباعة فأوصتني الأخت الأستاذة أمال عباس العجب بالاستعانة بالرئيس نميري، فراقت لي الفكرة ووجدت فيها أيضاً الفرصة للقاء المباشر مع الرئيس والتفاكر معه حول الوضع السياسي بالسودان ورؤانا للعمل في المرحلة القادمة، فاتصلت بالأخ الياس الأمين الذي شجعني علي ذلك وأجري اتصالاً بالقاهرة بالرئيس نميري عبر سكرتيره الخاص ابن خاله الأخ الواثق عبد الله صالح. فدبرت حالي وأخذت معي نسخة الكتاب المعدة للطباعة ونزلت أرض الكنانة وكان ذلك في الرابع وعشرين من أبريل 1989م.
نواصل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق